ثلاثون ألف دولار مقابل دورة واحدة مباعة لألف مشترٍ. هذا الرقم، الذي يبدو وكأنه مقتطف من إعلان تسويقي مبالغ فيه، يحمل في طياته انعكاسًا حقيقيًا لتحول جذري في سوق العمل: تحول الفرد إلى علامة تجادية قابلة للاستهلاك الرقمي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس "كم يمكنك أن تربح؟"، بل "من يربح منك؟.
![]() |
| Upwork وسيط ولا سيد؟ |
الستة منصات التي تتصدر المشهد حاليًا Freelancer، Fiverr، Upwork، Udemy، Teachable، وخمسات—لا تمثل مجرد أدوات مختلفة لنشاط واحد. إنها تعبير عن فلسفات متباينة في تنظيم العمل، وصياغة القيمة، وتوزيع الربح. الافتراض السائد بأن العمل الحر هو ببساطة "تقديم خدمة مقابل مال" يتجاهل الطبقة الأعمق من هذه الظاهرة: إعادة هيكلة العلاقة بين مقدم الخدمة والمتلقي، وتحول المنصة من وسيط محايد إلى حارس بوابة (Gatekeeper) يتحكم بشروط السوق.
المنصات العالمية: سوق مفتوح أم وهم الخيارات؟
عند الحديث عن منصات مثل Upwork وFreelancer، نحن أمام نموذج "المزاد العالمي". هنا، تُطرح الخدمات في سوق مفتوح حيث المنافسة عالمية والفرق الوحيد هو السعر غالبًا. هذه المنصات أنشأت طبقة جديدة من العمالة القابلة للاستبدال الفوري. المبرمج في القاهرة لا ينافس زميله في القاهرة فقط، بل ينافس نظيره في بنغلاديش وأوكرانيا والفلبين. المنصة، في هذا السياق، تستفيد من توسيع قاعدة المعروض من الخدمات لخفض التكلفة على المشتري، بينما تفرض عمولتها على الطرفين.
أما Fiverr، فقد ذهبت خطوة أبعد في فلسفة "تسليع الخدمات". هنا لا تقدم خدمة مخصصة، بل "عرضًا" (Gig) بسعر ثابت يبدأ من خمسة دولارات. هذا التحول من الخدمة المخصصة إلى المنتج الجاهز يشبه تحول الحرفي إلى بائع في سوبرماركت. المنصة لا تريدك أن تتفاوض مع العميل؛ تريدك أن تعرض منتجك بشكل موحد ليشتريه أكبر عدد ممكن. جمهور هذه المنصة ليس بالضرورة من يبحث عن جودة استثنائية، بل من يبحث عن حل سريع وغير مكلف.
سوق التعليم الرقمي: Udemy وتآكل قيمة الخبير
على الجانب الآخر، نجد منصات التعليم مثل Udemy التي يعتمد نموذجها على التخفيضات الدائمة. تبيع المنصة دورات بخصومات تصل إلى 90% معظم أيام السنة. هذا النموذج يخلق مفارقة: من ناحية، يتيح للمدرب الوصول إلى مئات الآلاف من الطلاب حول العالم. من ناحية أخرى، يعيد تشكيل توقعات المستهلكين تجاه قيمة المعرفة. عندما تعتاد على شراء دورة بمبلغ 12 دولارًا بدل 200، يترسخ في الذهن أن المعرفة الرقمية سلعة رخيصة، وليس نتاج تراكم خبرات سنوات.
Udemy هنا تتصرف كتاجر تجزئة: تشتري (أو تستضيف) المحتوى بالجملة، وتبيعه بالتجزئة، وتجذب الزبائن بالعروض. المدربون فيها مجرد موردين في سلسلة توريد معرفية. الفائز الأكبر هو المنصة التي تبني قاعدة مستخدمين ضخمة على حساب تهميش قيمة مقدم المحتوى. هذا ليس حكمًا أخلاقيًا، بل هو منطق اقتصادي بحت: المنصة لا تبيع المعرفة فقط، بل تبيع الانتباه والوصول.
Teachable: وهم الاستقلالية الحقيقية
ثم تأتي Teachable لتقدم نموذجًا مختلفًا جذريًا. هذه المنصة لا تبيع دوراتك؛ تبيعك أداة لبناء متجرك الخاص. أنت من تجلب الزبائن، أنت من تتحمل تكاليف التسويق، أنت من تبني علامتك. المنصة هنا تتحول إلى مزود بنية تحتية (Infrastructure Provider) يشبه شركات استضافة المواقع. هي تراهن على أن عددًا كافيًا من الخبراء سينجحون في بناء جمهور خاص بهم بحيث تدر عليهم رسوم الاشتراك الشهري.
هذا النموذج هو الأكثر نضجًا من وجهة نظر تحليلية، لأنه يعيد العلاقة إلى شكلها الطبيعي: المنصة تقدم خدمة واضحة مقابل رسوم واضحة، دون أن تتدخل في علاقتك بعميلك. أنت تملك العميل، وأنت تملك البيانات، وأنت تملك القرار. المقابل أنك تتحمل المسؤولية كاملة.
خمسات: النموذج العربي بين التقليد والتكيف
أما خمسات، المنصة العربية الأبرز، فهي حالة مثيرة للتأمل. هي تحاكي نموذج Fiverr في الفلسفة (خدمات موحدة بأسعار تبدو ثابتة)، لكنها تعمل في سياق مختلف تمامًا. في الاقتصادات العربية حيث انتشار وسائل الدفع الإلكتروني محدود، والثقة في التعاملات الرقمية هشة، تؤدي خمسات دورًا يتجاوز كونه وسيطًا؛ إنها ضامن وموثق. العمولة التي تأخذها هنا لا تدفع فقط مقابل الوصول إلى العملاء، بل مقابل بناء بيئة ثقة من الصفر في سوق يفتقر إليها.
هذه المنصة تعكس تحديًا أساسيًا في اقتصاد المنصات العربي: أنت لا تتنافس فقط على الجودة والسعر، بل على قدرتك على إقناع العميل بأنك حقيقي، وأن خدمتك ستصل، وأن أمواله ليست في مهب الريح. خمسات تبيع الأمان الرقمي قبل أن تبيع الخدمة.
من يدفع الثمن الحقيقي؟
إذا تجاوزنا السردية الترويجية عن "الحرية المالية" و"الربح الوفير"، نصل إلى تساؤل أكثر إزعاجًا: ما الذي تخسره عندما تبيع على هذه المنصات؟
- أولًا، تخسر الملكية. لا تملك قائمة العملاء، لا تملك بياناتهم، ولا تملك حتى القدرة على التواصل معهم خارج المنصة. إذا قررت Upwork غدًا تعليق حسابك، تختفي علاقاتك المهنية بالكامل. المنصة تحتكر واجهة العلاقة بينك وبين عميلك.
- ثانيًا، تخسر التحكم بالتسعير. في سوق مفتوح عالمي، أنت لست من يحدد قيمة عملك؛ المنصة هي التي تعيد تعريف القيمة من خلال عرض بدائل لا حصر لها بجانب خدمتك. أنت لا تبيع مهارتك فقط، بل تبيع قدرتك على الظهور في الصفحة الأولى.
- ثالثًا، تخسر الاستقرار. العمل عبر المنصات يعني أن دخلك مرتبط بخوارزميات لا تفهمها، وتحديثات سياسات لا تتحكم بها، وتقييمات عملاء قد لا تكون عادلة. أنت تعمل في اقتصاد قائم على "النقاط" و"النجوم"، وهذا يعني أن سمعتك المهنية باتت رقمية بالكامل وقابلة للتصفية بنقرة واحدة.
مستقبل المنصات: وسيط متحكم أم بنية تحتية صامتة؟
التحول الحالي يشير إلى اتجاهين متعارضين. الاتجاه الأول هو استمرار نموذج "المنصة كسوق" (Marketplace) حيث تحتكر المنصة العلاقة مع العميل وتفرض شروطها. هذا النموذج سيبقى مهيمنًا لأنه الأكثر ربحية للمنصات نفسها. الاتجاه الثاني هو نموذج "المنصة كأداة" (Tool) مثل Teachable، حيث تكتفي المنصة بتوفير البنية التحتية وتترك لك بناء العلاقات.
الأكثر ذكاءً من المستقلين والمبدعين العرب سيتجهون إلى نموذج هجين: استخدام منصات مثل Fiverr وUpwork كقنوات اكتساب أولي (لاكتساب العملاء الأوائل)، ثم نقل العلاقات تدريجيًا إلى قنوات خاصة (بريد إلكتروني، موقع شخصي، Teachable). هذا هو السبيل الوحيد لكسر احتكار المنصة وتحويلها من سيد إلى مجرد أداة في يدك.
العمل الحر ليس مجرد تقديم خدمة مقابل مال. هو فن بناء علامة تجادية أحادية الفرد في بيئة رقمية مصممة بالأساس لتهميش الفرد لصالح المنصة. الفرق بين من يربح آلاف الدولارات ومن يكدح مقابل دولارات قليلة لا يكمن فقط في جودة الخدمة، بل في فهم طبيعة اللعبة الحقيقية: أنت لست بائع خدمة، أنت منتج في سوق تتحكم به المنصات. إما أن تفهم قواعدها فتكسرها، أو تبقى مجرد رقم في قائمة العروض.

أهلاً بك في مدونة NewJdid يسعدنا سماع رأيك أو استفسارك. تعليقك يثري المحتوى ويساعدنا على التطوير. شكراً لوجودك معنا.