يوم القيامة الرقمي: عندما يصبح التشفير عبئًا على أصحابه
لم يأتِ مصطلح «يوم القيامة الرقمي» من فراغ، ولم يولد في غرف التسويق أو عناوين الصحافة الصفراء. ظهر فجأة في النقاشات التقنية الجادة، ثم بدأ يتسرّب إلى تقارير البنوك الاستثمارية، قبل أن يصل أخيرًا إلى دوائر القرار. ما يجري تداوله اليوم لا يتعلق بخلل أمني عابر، ولا باختراق واسع النطاق يمكن احتواؤه أو ترقيعه. نحن أمام احتمال واقعي لانهيار أحد أعمدة النظام الرقمي الحديث: التشفير كما نعرفه.
الضجة لم تبدأ من مختبر جامعي، بل من تقارير مالية باردة اللغة، أبرزها تقرير Saxo Bank لعام 2026، الذي لم يتحدث عن اختراق هنا أو هناك، بل عن سيناريو شامل: اقتراب الحوسبة الكمية من مرحلة التشغيل العملي الكامل، وما يعنيه ذلك من قدرة حقيقية على كسر أنظمة التشفير المستخدمة اليوم في البنوك، والعملات الرقمية، والبنى التحتية الحساسة. حين يصدر هذا الكلام عن مؤسسة تنظر إلى المخاطر لا من زاوية علمية، بل من زاوية الأسواق والثقة والاستقرار، يصبح من الصعب تجاهله.
اللافت أن القلق لا ينبع من حدث وقع فعلًا، بل من إدراك متزايد بأن الزمن الذي كنا نعتمد عليه كدرع دفاعي بدأ يتلاشى. التشفير لم يكن يومًا وعدًا بالكمال، بل صفقة غير مكتوبة: بياناتنا آمنة لأن كسرها سيستغرق وقتًا أطول من قيمتها العملية. هذه الصفقة على وشك الانهيار.
الحوسبة الكمية: حين يتغيّر منطق الحساب لا سرعته فقط
الحديث عن الحوسبة الكمية غالبًا ما يُختزل في فكرة «السرعة الخارقة»، لكن هذا الاختزال مضلل. المسألة أعمق من ذلك بكثير. الحواسيب التقليدية، مهما تطورت، تعمل ضمن منطق خطي صارم: بتّات إما صفر أو واحد. هذا المنطق هو الأساس الذي بُنيت عليه كل خوارزميات التشفير الحديثة تقريبًا، من RSA إلى ECC، ومنه انطلقت فرضية الأمان الحسابي.
الحوسبة الكمية تكسر هذا الإطار من أساسه. الكيوبتات لا تلتزم بحالة واحدة، بل تستطيع الوجود في أكثر من حالة في الوقت نفسه. هذا لا يعني فقط تنفيذ عدد أكبر من العمليات، بل حل فئات كاملة من المسائل الرياضية التي كانت تُعد غير عملية حسابيًا. المسائل التي تقوم عليها الخوارزميات التشفيرية التقليدية، مثل تحليل الأعداد الكبيرة إلى عواملها الأولية، تتحول فجأة من مشكلة زمنية شبه مستحيلة إلى مسألة قابلة للحل.
الخطر هنا ليس نظريًا. شركات التكنولوجيا الكبرى تتنافس علنًا على تطوير هذا النوع من الحوسبة، والدول الكبرى تستثمر فيه سرًا وبكثافة. الفارق بين البحث والتشغيل لم يعد شاسعًا كما كان قبل عقد. ومع كل تقدم صغير في استقرار الكيوبتات وتقليل الضوضاء، يقترب سيناريو كسر التشفير خطوة إضافية نحو الواقع.
المال أولًا: البنوك والعملات الرقمية في مرمى الخطر
القطاع المصرفي هو أول من يقرأ هذه التحولات بقلق واضح. ليس لأن البنوك لا تملك الموارد للتحديث، بل لأن حجم التعقيد الهائل في بنيتها الرقمية يجعل أي انتقال جذري مخاطرة بحد ذاته. الأنظمة المصرفية لا تعتمد على طبقة واحدة من التشفير، بل على منظومة متداخلة من البروتوكولات، بعضها يعود إلى عقود، ويعمل فوقه كل شيء من التحويلات الدولية إلى أنظمة الامتثال.
كسر التشفير في هذا السياق لا يعني فقط سرقة أموال، بل تقويض فكرة الثقة التي يقوم عليها النظام المالي برمّته. حين يصبح من الممكن نظريًا فك تشفير المعاملات السابقة، أو الاطلاع على سجلات مالية محفوظة منذ سنوات، تتحول المشكلة من خسارة محتملة إلى أزمة مصداقية.
العملات الرقمية تبدو أكثر هشاشة في هذا المشهد. صحيح أنها وُلدت بوعد التشفير اللامركزي، لكن هذا الوعد قائم على نفس الفرضيات الحسابية المهددة اليوم. إذا فقدت هذه الفرضيات صلاحيتها، فإن البنية الفكرية التي قامت عليها العملات الرقمية تهتز من أساسها. ليس غريبًا، في هذا السياق، أن يتزايد الحديث عن عودة المستثمرين إلى أصول مادية مثل الذهب، بوصفها ملاذًا لا يعتمد على مفاتيح خاصة ولا على خوارزميات.
هذا التحول لا يعكس حنينًا للماضي بقدر ما يعكس أزمة ثقة في المستقبل الرقمي كما صُمم حتى الآن.
ما بعد المال: الأمن القومي والذاكرة المؤجلة
الخطر الحقيقي، والأقل نقاشًا في الإعلام العام، يتمثل في البعد السيادي. أنظمة الدفاع، شبكات الاتصالات الحكومية، البنية التحتية للطاقة والمياه، كلها تعتمد على تشفير يفترض صموده لعقود. كسر هذا التشفير لا يعني فقط التجسس، بل القدرة على التعطيل والتلاعب، وربما الابتزاز.
الأكثر إثارة للقلق هو ما يُعرف باستراتيجية «Harvest Now, Decrypt Later». دول وأجهزة استخبارات تجمع اليوم كميات هائلة من البيانات المشفرة، وتخزنها بصبر، على افتراض أن فكها سيصبح ممكنًا في المستقبل القريب. هذه البيانات لا تفقد قيمتها بمرور الوقت، بل قد تزداد خطورتها، لأنها تكشف الماضي في سياق سياسي جديد.
هنا تتعرض الخصوصية لضربة مزدوجة. ليست فقط مهددة في الغد، بل منتهكة بصمت اليوم. ما نكتبه ونرسله ونخزنه باعتباره آمنًا، قد يُقرأ لاحقًا دون علمنا، ودون أي قدرة على الاعتراض أو التصحيح. الزمن، الذي كان حليف التشفير، يتحول إلى خصم.
في قلب هذا السباق تقف دول كبرى، وعلى رأسها الصين، باستثمارات ضخمة في منشآت حوسبة كمية يلفها قدر كبير من السرية. هذا ليس سباقًا علميًا بريئًا، بل صراعًا على امتلاك مفاتيح المعرفة والقوة. من يسبق في هذا المجال لا يحقق تفوقًا تقنيًا فقط، بل يكتسب قدرة غير مسبوقة على الاطلاع على ما ظنه الآخرون محصنًا إلى الأبد.
هل ما زال هناك متسع للإنقاذ؟
الحديث عن Post-Quantum Cryptography يتكرر في المؤتمرات والتقارير، لكنه أبعد ما يكون عن حل سهل أو قريب. الانتقال إلى خوارزميات مقاومة للهجمات الكمية يتطلب إعادة بناء شبه كاملة للبنية التحتية الرقمية العالمية. ليس الأمر تحديثًا تلقائيًا، بل عملية طويلة ومكلفة، تتطلب تنسيقًا بين الحكومات والشركات والمطورين، في عالم بالكاد يتفق على معايير الخصوصية الأساسية.
المشكلة أن هذا التحول يجري في الظل. لا توجد لحظة انفجار، ولا مؤشر أحمر يضيء فجأة. كل شيء يتقدم ببطء، في مختبرات مغلقة، وتقارير تقنية لا يقرأها إلا المتخصصون. حين يدرك الرأي العام حجم التحول، قد يكون كثير من الضرر قد وقع بالفعل.
ربما يكون التحدي الأكبر نفسيًا وثقافيًا. لعقود، تعاملنا مع الأمن الرقمي كأمر محسوم، كطبقة غير مرئية تعمل في الخلفية دون أن تتطلب منا إعادة تفكير مستمرة. الحوسبة الكمية تفرض مراجعة قاسية لهذا الاطمئنان. ما كان بديهيًا قد لا يكون كذلك بعد سنوات قليلة.
«يوم القيامة الرقمي» ليس حدثًا واحدًا، ولا نهاية فجائية. هو مسار يبدأ بتآكل الثقة، ويمر بتراجع الخصوصية، وقد ينتهي بإعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والدولة، وبين البيانات والسلطة. السؤال لم يعد ما إذا كان هذا التحول قادمًا، بل ما إذا كنا سنواجهه بعقلية استباقية، أم سنكتفي بردود فعل متأخرة بعد أن يصبح الماضي كله مكشوفًا.
في هذا السياق، يصبح الصمت تواطؤًا، والتقليل من الخطر ضربًا من قصر النظر. ما يجري ليس مسألة تقنية تخص المهندسين وحدهم، بل قضية تمس جوهر الحياة الرقمية التي بنيناها، وربطنا بها الاقتصاد والسياسة والذاكرة الشخصية. حين تنهار افتراضات الأمان، لا ينهار معها نظام تقني فقط، بل فكرة كاملة عن الخصوصية والثقة كما عرفناهما.
الأسئلة الشائعة مع الإجابة عليها
ما الذي سيتغيّر فعلًا في حياة المستخدم العادي؟
في المدى القصير: لا شيء يُذكر. لا إشعارات، لا توقف تطبيقات، ولا انهيار حسابات. الخطر لا يعمل بهذا الشكل. التغيير الحقيقي يبدأ حين تتغير طريقة تعامل المؤسسات مع البيانات، لا حين يشعر الأفراد بخلل مباشر. المستخدم العادي سيلاحظ التحول متأخرًا، غالبًا عبر شروط استخدام جديدة، أو تأخيرات في المعاملات، أو طبقات تحقق إضافية، أو قيود غير مفسَّرة على بعض العمليات.
المشكلة أن هذا النوع من التغييرات لا يُقدَّم عادة باعتباره استجابة لأزمة تقنية، بل كإجراءات «تحسين أمني». وهنا تحديدًا يكمن الفارق بين الإحساس والواقع.
من سيتأثر أولًا: الأفراد أم المؤسسات؟
المؤسسات، بلا نقاش. البنوك، شركات الدفع، منصات التداول، وشركات التأمين ستكون أول من يتحرك، لأن المخاطر القانونية والسمعة التجارية تقع على عاتقها. أي خلل في الثقة سيُترجم فورًا إلى خسائر أو دعاوى أو تدخلات تنظيمية.
الأفراد سيتأثرون لاحقًا، وبشكل غير مباشر. ليس عبر اختراق حساباتهم الشخصية، بل عبر تقلّص هامش الحرية: سقوف أقل للتحويلات، إجراءات تحقق أطول، إغلاق خدمات كانت متاحة بسهولة. الخطر هنا ليس في ضياع المال، بل في ازدياد الاحتكاك بين المستخدم والنظام المالي.
هل ستُجمَّد التحويلات الدولية أو تُعطَّل؟
التجميد الشامل سيناريو ضعيف الاحتمال، لأنه يعني شللًا اقتصاديًا لا تتحمله أي دولة. ما هو أكثر واقعية هو إعادة ترتيب الأولويات. بعض أنواع التحويلات ستُعامل باعتبارها عالية المخاطر، وستمر عبر مسارات أطول وأبطأ. دول معينة قد تُفرض عليها إجراءات تدقيق إضافية، لا لأسباب سياسية معلنة، بل بذريعة أمن البيانات.
هذا النوع من «التباطؤ الانتقائي» سيصبح أداة تنظيمية أكثر منه حلًا تقنيًا.
هل العملات الرقمية ستفقد دورها بالكامل؟
الدور سيتغير، لا أكثر. العملات الرقمية لن تختفي، لكنها ستخرج من موقع «البديل الكامل للنظام المالي» إلى موقع أكثر تواضعًا. استخدامها كوسيلة تحويل سريعة وغير خاضعة للرقابة قد يتقلص، بينما يستمر استخدامها كأصل مضاربي أو أداة داخل أنظمة مغلقة نسبيًا.
المفارقة أن بعض العملات قد تصبح أكثر مركزية لا أقل، عبر تحديثات تفرض تغييرات جذرية في طريقة إدارة المفاتيح والتحقق، وهو ما يناقض الفكرة الأصلية التي جذبت كثيرين إليها.
هل ستصبح البيانات القديمة عبئًا قانونيًا؟
نعم، وهذه نقطة غالبًا ما تُغفل. إذا أصبح من الممكن فك تشفير بيانات تاريخية، فإن السؤال القانوني يصبح: من المسؤول؟ المؤسسة التي خزّنت البيانات؟ أم الجهة التي اخترقتها لاحقًا؟ أم المستخدم الذي وافق على شروط لم تكن تتضمن هذا السيناريو؟
نتوقع خلال السنوات القادمة موجة نزاعات قانونية معقّدة، لا تتعلق بالاختراق نفسه، بل بأثره الرجعي. هذا وحده كفيل بدفع الشركات إلى تقليل الاحتفاظ بالبيانات، أو تغيير سياسات التخزين جذريًا.
هل ستُفرض معايير أمان جديدة بالقوة؟
على الأرجح نعم، لكن بشكل غير معلن. التجربة تقول إن التحولات التقنية الكبرى لا تُفرض عبر قوانين فجّة، بل عبر معايير «اختيارية» تتحول تدريجيًا إلى شرط للبقاء في السوق. من لا يلتزم يُحرم من التعامل مع بنوك كبرى، أو من الوصول إلى أسواق معينة.
بهذا المعنى، ستقود المؤسسات المالية الكبرى عملية التغيير، لا الحكومات وحدها.
هل هناك فائزون في هذا التحول؟
بالتأكيد. شركات الأمن السيبراني، مزوّدو البنية التحتية، والجهات التي استثمرت مبكرًا في Post-Quantum Cryptography ستجد نفسها في موقع تفاوضي قوي. كذلك، الدول التي سبقت في تحديث أنظمتها ستفرض شروطها على الآخرين.
الخاسرون لن يكونوا فقط من تأخروا تقنيًا، بل من راهنوا على أن «الأمر لن يحدث قريبًا».
ما السلوك العقلاني في هذه المرحلة؟
ليس الذعر، ولا الانسحاب من النظام الرقمي. السلوك العقلاني هو تقبّل فكرة أن المرحلة المقبلة أقل راحة، وأكثر احتكاكًا، وأعلى كلفة تشغيلية. بالنسبة للأفراد، التنويع وعدم ربط كل الأصول بمنصة واحدة يصبح إجراءً وقائيًا لا موقفًا أيديولوجيًا. بالنسبة للمؤسسات، الاستثمار المبكر في التحول — حتى لو بدا مكلفًا — سيكون أرخص بكثير من إدارة أزمة ثقة لاحقة.
في المحصلة، الأسئلة الحقيقية لم تعد تقنية بحتة. هي أسئلة عن السلطة، والثقة، ومن يملك حق الوصول إلى الماضي الرقمي. الإجابات لن تأتي دفعة واحدة، ولن تكون متساوية للجميع، لكن تجاهلها لم يعد خيارًا عمليًا.

مرحبا بكم أصدقائي ومتتبعي مدونتنا نيو جديد شكرًا لكم على تواجدكم في مدونتي والإهتمام بمقالاتي المتواضعة نحن ممتنون لتفاعلكم وتعليقاتكم الرائعة التي تدفعنا للمزيد من الإبداع. وإن شاء الله سوف نتطلع إلى مشاركاتكم المستقبلية ونأمل أن تستمتعوا بمحتوانا القادم. شكرًا لكم على دعمكم المتواصل