أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

سيادة رقمية جزائرية: من يملك البيانات يملك القرار

في زمن لم تعد فيه الحدود الجغرافية وحدها تصون السيادة، أدركت الدول الأكثر وعيًا أن من لا يملك بياناته لا يملك قراره. من يترك معلوماته متناثرة بين إدارات لا تتحدث لغة مشتركة، يترك ثغرات في جداره الوطني. ومن يمتلك أقمارًا صناعية في السماء دون منظومة موحدة على الأرض، يمتلك عينًا لا تبصر.

خمسة أقمار وخمسة عقود.. كيف استردت الجزائر ظلّها الرقمي؟
كيف استردت الجزائر ظلّها الرقمي؟

الجزائر التي أطلقت خلال ربع قرن خمسة أقمار اصطناعية، آخرها اثنان في عام 2026، لم تكن تجمع أدوات رصد فحسب. كانت تنتظر اللحظة التي تكتمل فيها الدائرة. اليوم، بعد تدشين أول منظومة وطنية متكاملة لحوكمة البيانات بموجب مرسوم رئاسي، لم يعد الفضاء الجزائري مجرد صور تلتقط من الأعلى، بل صار عصبًا لقرار وطني موحد، يستمد دقته من السماء، وقوته من نظام أرضي لا يترك المعلومة شائبة ولا تائهة.

هذا ليس تطويرًا إداريًا عابرًا. هذا هو اكتمال شروط الدولة الحديثة.

من الفوضى إلى المنظومة: تشخيص لم يسبقه تجميل

قبل هذا المسار، لم تكن الجزائر تعاني من نقص في الرقمنة، بل من فائض فوضوي فيها. كل قطاع وزاري بنى نظامه المعلوماتي بمعزل عن الآخر. كل إدارة عمومية طورت قاعدة بياناتها وفق احتياجاتها اللحظية، دون معايير موحدة، دون بوابات تبادل مشتركة، دون لغة رقمية واحدة.

النتيجة كانت تكرارًا كارثيًا للبيانات. المواطن نفسه يُسجل خمس مرات في خمس قواعد مختلفة، بصيغ متفاوتة الجودة، وأحيانًا بأخطاء في الاسم أو العنوان أو الحالة الاجتماعية. المعلومات لا تُحدث لسنوات، ثم تتحول قرارات مبنية على أرقام لا تعكس الواقع. والأخطر: في غياب التشغيل البيني، كانت الدولة تخطط للمستقبل وهي ترتدي عصابة على عينيها.

المنظومة الوطنية الجديدة لم تولد من فراغ. هي ابنة هذا التشخيص الصارم. المحافظة السامية للرقمنة، التي أشرفت على تصميمها وإنجازها بالتنسيق مع كل القطاعات، لم تبدأ من الصفر، بل بدأت من الاعتراف بأن ما سبق لم يكن كافيًا، بل كان أحيانًا عقبة. هذا النقد الذاتي التقني هو ما يمنح المنظومة مصداقيتها الأولى: إنها لا تتصرف كما لو أن التاريخ يبدأ اليوم، بل تعرف جيدًا أين تعثرت التجارب السابقة، وتقدم نفسها كجسر فوق إخفاقاتها.

السيادة الرقمية: استعادة ما كان مبعثرًا

السيادة الرقمية في المشروع الجزائري الجديد لا تعني بناء جدار عازل حول الإنترنت، ولا حظر تدفق البيانات عبر الحدود. السيادة هنا أبسط وأعمق: هي قدرة الدولة على التحكم في دورة حياة بياناتها الوطنية، من لحظة جمعها إلى تخزينها ومعالجتها وتقاسمها وحمايتها.

هذه القدرة لم تكن مكتملة قبل المنظومة الجديدة. كانت بيانات الجزائريين موجودة، لكنها كانت موجودة كجزر متباعدة. كل جزيرة تديرها إدارة بمعاييرها، وكل جزيرة محمية بدرجة أمنية مختلفة، وكل جزيرة تخزن في مكان قد لا يكون مؤمنًا وفق المواصفات الوطنية. السلطات العليا لم تكن قادرة على استدعاء مؤشر وطني دقيق في ساعات، ولا على حماية البيانات من الاختراق أو التسرب أو الاستغلال غير المرخص.

المنظومة الجديدة تعيد تجميع هذا التشتت. لا تعنيه المركزية المفرطة، بل التكامل الذكي. كل قطاع يحتفظ ببياناته، لكنه ملزم بمعايير موحدة للإنتاج والتوثيق، وبواجهات تبادل إلزامية مع بقية القطاعات، وسجلات وصول تمنع العبث أو الاطلاع غير المشروع. لأول مرة، المواطن ليس مجرد مُدخل في قاعدة بيانات، بل طرف في معادلة الخدمة: إدارته تعرف بياناته لأنها تملك حق الوصول المصرح به، لا لأنها تخزن نسخًا غير محدثة في ملفات ورقية أو رقمية متفرقة.

هذا هو معنى بسط سيادة الدولة على معطياتها: لا أن تحتكرها، بل أن تنظمها وتؤمنها وتجعلها في خدمة القرار العام.

القمر في السماء والمنظومة على الأرض: اكتمال المعادلة

لطالما كانت الجزائر تملك عيونًا في الفضاء. منذ 2002 والسات-1 يلتقط صورًا للثروات المائية والغابية والمعدنية. تلاه السات-2 ثم السات-3 في 2024، وصولًا إلى السات-4 والسات-5 في 2026. خمسة أقمار خلال ربع قرن، بمشاركة وطنية متزايدة في التصنيع والتشغيل، وبتغطية متطورة لأراضٍ شاسعة كانت عصية على المراقبة الميدانية.

لكن العين وحدها لا تكفي. الصور كانت تصل إلى غرف مغلقة في وكالة الفضاء، وتتحول إلى تقارير مطبوعة، ثم تذهب إلى رفوف طويلة، أو في أحسن الأحوال إلى مشاريع قطاعية معزولة. وزارة الفلاحة تحلل صور القمح في الشرق، لكن وزارة الموارد المائية لا تعرف علاقتها بمنسوب السدود. وزارة الغابات ترصد الحرائق في الشمال، لكن وزارة الداخلية لا تملك خرائط آنية لتوجيه سيارات الإطفاء.

المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات هي التي تسد هذه الفجوة. لأول مرة، الصورة التي يلتقطها السات-4 صباحًا لمخزون الحبوب في سطيف، تتحول مساءً إلى مؤشر دقيق على منصة وزير الفلاحة، مترافقًا مع بيانات الاستيراد والتوزيع والاستهلاك. لأول مرة، رصد زحف الرمال على السكك الحديدية في الأغواط يصل في الوقت نفسه إلى وزارة النقل وهيئة الطرق، فيتحول إلى أمر صيانة وقائية قبل أن يتحول الرصد إلى كارثة.

الجزائر لم تعد تلتقط الصورة فقط. صارت تفسرها، وتوظفها، وتحميها، وتتخذ القرار بناءً عليها. الفضاء لم يعد مجرد أداة رصد، بل صار جزءًا من دورة الإنتاج والإدارة الوطنية. وهذا هو الفرق بين من يملك كاميرا ومن يملك وطنًا.

الاقتصاد الجديد: استثمار البيانات بدل استيراد الحلول

الجزائر لا تراهن على المنظومة الجديدة لتحسين الخدمات الإدارية فقط. الرهان الأكبر، الذي تعلنه المحافظة السامية للرقمنة بوضوح، هو تحويل البيانات من أصل جامد إلى محرك للنمو والابتكار.

في كل الدول المتقدمة، لم تعد البيانات مجرد أرقام تُختزن في خوادم حكومية. هي الوقود الذي يدير الذكاء الاصطناعي، ومحرك الخدمات المالية الرقمية، وأساس التأمين الصحي التنبؤي، وبوصلة التخطيط العمراني. الدول التي أدركت ذلك مبكرًا لم تبنِ شركات تكنولوجية عملاقة فحسب، بل حوّلت إداراتها العمومية إلى مختبرات بيانات مفتوحة تغذي ريادة الأعمال والبحث العلمي.

المنظومة الجزائرية تؤسس لهذا التحول. توحيد البيانات يعني إمكانية استخراج مؤشرات دقيقة عن السوق، سلوك المستهلك، احتياجات المناطق، فجوات التمويل. هذه المؤشرات، إن أُتيحت ضمن ضوابط صارمة للخصوصية والملكية الفكرية، قادرة على اجتذاب استثمارات في التكنولوجيا المالية، التجارة الإلكترونية، الصحة عن بُعد، التعليم الرقمي. كلها قطاعات كانت تنتظر بيئة بيانات موثوقة لتنطلق.

الأمر لا يتوقف عند السوق المحلية. التشغيل البيني العابر للحدود الذي تخطط له المحافظة السامية يضع الجزائر في موقع متقدم على خارطة التبادل الرقمي الدولي. الدولة التي تنتج بيانات موثوقة وتديرها وفق معايير عالمية تصبح شريكًا جاذبًا للبنوك الإقليمية والمنظمات الدولية والمستثمرين الأجانب. الثقة الرقمية اليوم شرط مسبق لأي تعامل اقتصادي، والجزائر بدأت للتو في بناء هذه الثقة من الداخل قبل أن تطلبها من الخارج.

شراكة لا تبعية: الصين والجزائر ونموذج مختلف

لا يمكن الحديث عن البرنامج الفضائي الجزائري دون ذكر الشريك الصيني. خمسة أقمار، على مدى ربع قرن، انطلقت كلها من منصات الإطلاق الصينية. هذا الواقع يقرأه البعض بعقلية التابع والمتبوع، وهي قراءة لا ترى التراكم ولا تدرك التحول.

ما بنته الجزائر مع الصين ليس علاقة شراء بسيطة، بل علاقة تراكم خبرة. مع كل قمر جديد، ارتفعت نسبة المكون المحلي في التصنيع. مع كل عملية إطلاق، ازداد عدد المهندسين الجزائريين المدربين على تشغيل المحطات الأرضية. مع كل عام، توسعت قاعدة الصيانة والتطوير الذاتي. السات-4 والسات-5 في 2026 ليسا مجرد تحديث تقني للإصدارات السابقة، بل حمولتهما الأرضية وبرمجيات معالجة الصور صممت بفرق وطنية بالكامل.

الانتقال من "قمر يشغله الصينيون" في 2002 إلى "قمر تشغله كفاءات جزائرية" في 2026، هو انتقال في مرتبة السيادة. ليست سيادة العزلة والاكتفاء المطلق، فهذه أسطورة لا تعيشها أي دولة في عصر سلاسل التوريد العالمية. بل سيادة الاختيار والقدرة: أن تعرف ماذا تطلب، وكيف تشتري، وماذا تفعل بعد الاستلام.

المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات هي التي تعطي هذا المسار معناه الكامل. ما الفائدة من تصنيع محلي جزئي لقمر صناعي إن كانت الدولة لا تملك القدرة على استثمار ما ينتجه هذا القمر؟ وما قيمة عقد شراكة استراتيجية مع الصين إن كانت بيانات الجزائر تظل أسيرة صيغ غير متوافقة وأنظمة معلوماتية لا تتحدث مع بعضها؟

الجزائر لم تعد تشتري أقمارًا، بل تشتري قدرة على الرؤية ثم تطورها محليًا. والمنظومة الجديدة هي التي تضمن ألا تبقى هذه الرؤية حبيسة غرف مغلقة، بل تتحول إلى قرار آني، وخدمة أفضل، واقتصاد أكثر تنوعًا.

الفخر الذي لا يُستورد

في الخطاب الرسمي، كثيرًا ما تُختزل الإنجازات في أرقام وتواريخ وعقود توريد. لكن الفخر الوطني لا يُصنع في مصانع الآخرين، ولا يُشترى بفاتورة استيراد، ولا يُحتسب بعدد الأقمار في المدار. الفخر الحقيقي هو أن تمتلك، لأول مرة، القدرة على ربط كل هذه الأقمار بقرار وطني واحد.

هذا ما فعلته الجزائر في 2026. أتمت مدارها الرقمي. صارت السماء مكشوفة لها، وصارت الأرض مبصرة بها. المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات ليست مشروعًا تقنيًا يُضاف إلى قائمة الإنجازات، بل هي الإنجاز نفسه. هي التي تجعل من السات-1 أداة سيادة لا مجرد جهاز استشعار. هي التي تحوّل المرسوم الرئاسي من نص قانوني إلى واقع يومي في مصالح الأحوال الشخصية والجمارك والضرائب والأملاك الوطنية.

الجزائر التي كانت ترى نفسها على خرائط الأقمار الصناعية بدقة متر واحد، صارت اليوم ترى مستقبلها على خريطة السيادة الرقمية بوضوح غير مسبوق. الفرق بين الرؤيتين هو الفرق بين من يملك عينًا ومن يملك بصيرة. والجزائر، أخيرًا، أبصرت.

تحليل المقال
..
متواجدون ...
👁️
مشاهدات ...
📝
كلمات 0
⏱️
قراءة 0 د
📅
نشر 12/02/2026
♻️
تحديث 12/02/2026
تعليقات