ما بعد برج خليفة: سباق الارتفاع الذي يعيد تعريف المدينة والسلطة والخيال
منذ سنوات، يدور نقاش واسع في الفضاء العربي الرقمي حول سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره: ما هو أطول برج في العالم اليوم، وما الذي سيكسر هذا الرقم غدًا؟ الفيديوهات التي تُحصي الأمتار وتستعرض الرسومات ثلاثية الأبعاد تحصد ملايين المشاهدات، لكن خلف هذا الفضول الشعبي تكمن مسألة أعمق بكثير من مقارنة أرقام. المسألة تتعلق بمن يملك حق تعريف المستقبل العمراني، ومن يستخدم الارتفاع كأداة نفوذ، ومن يغامر بتحويل الخيال إلى خرسانة وفولاذ، ولو بعد عقود.
النقاش لا ينطلق من فراغ. خلال العقدين المقبلين، يُتوقع تشييد عدد غير مسبوق من الأبراج العملاقة، بعضها قيد الإنشاء، وبعضها معلّق، وبعضها لا يزال فكرة على ورق مهندسين يعرفون مسبقًا أن أعمارهم لن تكفي لرؤية ما يقترحونه مكتملًا. ومع ذلك، فإن مجرد طرح هذه المشاريع يكفي لزعزعة موقع “أطول برج في العالم” بوصفه لقبًا مستقرًا. نحن أمام مرحلة يصبح فيها الرقم القياسي مؤقتًا، وربما عابرًا، في سباق لا يبدو أن له خط نهاية واضح.
هذا المقال لا يحاول إعادة سرد قائمة الأبراج من الأدنى إلى الأعلى، ولا استعراض الأرقام بوصفها إنجازًا بحد ذاتها. ما يهم هنا هو فهم السياق: لماذا تصر دول معينة على الذهاب إلى أقصى الارتفاع؟ ولماذا تتعثر مشاريع أخرى رغم توفر المال والتقنية؟ والأهم: ماذا يعني أن يتحول الطموح المعماري من ناطحة سحاب إلى ناطحة فضاء؟
برج خليفة: حين تحوّل الرقم إلى سابقة نفسية
عندما افتُتح Burj Khalifa في دبي عام 2010، كان الحدث أكبر من تدشين مبنى. البرج، بارتفاعه الذي تجاوز 828 مترًا، لم يكن فقط أطول مبنى في العالم، بل أول مشروع يكسر الحاجز النفسي الذي كان يقيّد الخيال المعماري العالمي. لسنوات طويلة، كان الاقتراب من 500 أو 600 متر يُعد مخاطرة تقنية واقتصادية، أما تجاوزها فكان يُنظر إليه بوصفه مجازفة غير ضرورية.
ما فعله Burj Khalifa أنه غيّر قواعد اللعبة. فجأة، لم يعد السؤال: هل يمكننا البناء بهذا الارتفاع؟ بل: من التالي الذي سيذهب أبعد؟ هذا التحول النفسي سبق التحول التقني. البرج أثبت أن المسألة ليست فقط في مقاومة الرياح أو توزيع الأحمال، بل في الجرأة السياسية والاقتصادية على اتخاذ القرار.
لكن المفارقة أن Burj Khalifa، رغم رمزيته، كشف أيضًا حدود هذا النموذج. البرج نجح لأنه كان جزءًا من منظومة أوسع: مدينة تسوّق نفسها عالميًا، وتبحث عن أيقونة بصرية تختصر طموحها في صورة واحدة. من هنا، لم يكن من المصادفة أن تتحول المنطقة الخليجية إلى مختبر مفتوح لأفكار تتجاوز ما هو قائم.
الخليج والارتفاع كبيان سياسي واقتصادي
بعد Burj Khalifa، لم يعد الحديث عن ألف متر ضربًا من الخيال. في الكويت، ظهر مشروع Mubarak Al-Kabeer Tower بوصفه محاولة لإعادة التموضع العمراني والسياسي. برج يتجاوز الكيلومتر، يستلهم رمزية ثقافية محلية، ويهدف إلى تثبيت حضور الكويت في خريطة المدن الطامحة للريادة. لكن المشروع، رغم زخمه الإعلامي في بداياته، تعثر ثم اختفى تقريبًا من المشهد.
هذا الاختفاء ليس استثناءً. الأبراج العملاقة تحتاج أكثر من ميزانية ضخمة. تحتاج استمرارية سياسية، ورؤية اقتصادية طويلة الأمد، وقدرة على تحمّل تغيّر الظروف العالمية. أي خلل في هذه العناصر كفيل بتحويل أطول برج محتمل إلى مجرد ملف مؤرشف.
في السعودية، اتخذ الطموح منحى أكثر صراحة مع مشروع Jeddah Tower. الحديث هنا لم يكن عن كسر رقم Burj Khalifa بفارق بسيط، بل عن مضاعفة الارتفاع تقريبًا. 1800 متر تعني الدخول في منطقة جديدة كليًا من التحديات الهندسية: مصاعد، ضغط هوائي، اهتزازات، وأنماط استخدام لم تُختبر من قبل بهذا النطاق.
توقف المشروع، ثم عودته المتقطعة إلى الأخبار، يعكسان حقيقة غالبًا ما تُهمَل في النقاش العام: هذه المشاريع لا تُقاس بعمر حكومة أو دورة اقتصادية، بل بعقود. أي اضطراب سياسي أو مالي كفيل بتجميد العمل لسنوات، وربما إلى أجل غير مسمى.
في دبي مجددًا، يظهر Dubai Creek Tower كمفهوم مختلف. البرج، الذي لا يُفصح عن ارتفاعه النهائي بدقة، ليس ناطحة سحاب تقليدية بقدر ما هو نصب حضري عملاق. الوظيفة هنا ليست استيعاب آلاف الشقق أو المكاتب، بل إنتاج رمز جديد يُرى من كل اتجاه. هذا التحول في الفلسفة مهم: كلما ارتفعنا أكثر، تقل الجدوى الوظيفية الصافية، وتزداد أهمية الرمز والمشهد والهوية البصرية.
اليابان: حين يصبح الارتفاع حلًا لا استعراضًا
إذا كان الخليج يتعامل مع ناطحات السحاب بوصفها أدوات قوة ناعمة، فإن اليابان تنظر إلى الارتفاع من زاوية أكثر براغماتية، وإن بدت مشاريعها أكثر جنونًا على الورق. ضيق المساحة، الكثافة السكانية، والهواجس الدائمة من الزلازل والكوارث الطبيعية، دفعت المخيلة اليابانية إلى التفكير في مدن رأسية مكتفية ذاتيًا.
مشاريع الأبراج الافتراضية بارتفاع 1.6 كيلومتر، أو Dubai City Tower الذي يطرح نموذجًا هجينًا من عدة أبراج متشابكة، أو X-Seed 4000 بارتفاع أربعة كيلومترات، ليست مقترحات تسويقية بحتة. هي محاولات جادة لتخيّل كيف يمكن للإنسان أن يعيش عموديًا إذا أصبح الأفق رفاهية نادرة.
X-Seed 4000، على سبيل المثال، يتحدث عن هيكل بقاعدة بحرية، مئات الطوابق، وقدرة استيعاب تصل إلى مئات الآلاف، وربما أكثر. الأرقام الفلكية للتكلفة وكمية الفولاذ المطلوبة تجعل المشروع غير قابل للتنفيذ في الوقت الراهن، لكن قيمته الحقيقية تكمن في كونه تجربة فكرية على نطاق حضري. ماذا لو اضطررنا فعلًا لبناء مدينة واحدة تستوعب ما تستوعبه عدة مدن أفقية؟
الأكثر تطرفًا هو مشروع Tokyo Babel Tower بارتفاع عشرة كيلومترات. الاسم نفسه اعتراف بأننا نلامس الأسطورة. برج يتجاوز ارتفاع Mount Everest، يستغرق بناؤه أكثر من قرن، ويؤوي عشرات الملايين. لا أحد في اليابان يتعامل مع المشروع على أنه خطة تنفيذية قريبة، لكنه حاضر باستمرار في النقاش الأكاديمي بوصفه حدًا أقصى لما يمكن تخيله ضمن قوانين الفيزياء المعروفة.
من ناطحة سحاب إلى ناطحة فضاء
عند هذه النقطة، يبدأ التحول الحقيقي في طبيعة السؤال. لم نعد نتحدث عن مبانٍ مدعومة من الأرض، مهما بلغ ارتفاعها، بل عن هياكل تتجاوز مفهوم البرج نفسه. هنا يظهر الحديث عن الأنظمة المعلقة، والهياكل التي تمتد لعشرات أو مئات الكيلومترات، مثبتة بين الأرض والفضاء.
فكرة Space Elevator، أو المصعد الفضائي، ليست جديدة، لكنها عادت بقوة في السنوات الأخيرة مع تطور مواد مثل carbon nanotubes، ولو نظريًا. الفكرة بسيطة في جوهرها، ومعقدة في تنفيذها: كابل يمتد من نقطة قريبة من خط الاستواء إلى مدار ثابت بالنسبة للأرض، يسمح بنقل الحمولة مباشرة إلى الفضاء دون الحاجة إلى صواريخ تقليدية.
الرقم هنا لم يعد بالكيلومترات القليلة، بل بعشرات الآلاف منها. 80 كيلومترًا داخل الغلاف الجوي، ثم آلاف الكيلومترات حتى المدار. هذا ليس برجًا، بل بنية تحتية كوكبية، تعيد تعريف العلاقة بين الأرض والفضاء، وبين الاقتصاد والجاذبية.
حتى الآن، لا يوجد اتفاق على موعد أو مكان لتنفيذ مثل هذا المشروع. العائق الأساسي ليس في الفكرة، بل في المادة. نحتاج كابلًا يتحمل شدًا لم نتمكن بعد من إنتاجه على نطاق صناعي آمن. ومع ذلك، فإن مجرد جدية النقاش حول Space Elevator تكشف إلى أي مدى تغيّر سقف الطموح البشري.
ماذا يعني كل هذا فعليًا؟
السؤال الذي يجب طرحه بعد استعراض كل هذه المشاريع ليس: أيها سيكون الأطول؟ بل: لماذا نصر على الذهاب إلى هذا الحد؟ جزء من الإجابة نفسي وثقافي. الارتفاع كان دائمًا رمزًا للسلطة، من المعابد القديمة إلى ناطحات السحاب الحديثة. لكن جزءًا آخر أكثر برودة وواقعية: المدن تضيق، السكان يزدادون، والأرض لم تعد موردًا متاحًا بلا حدود.
ومع ذلك، فإن السباق نحو الأعلى يحمل مخاطره. كل متر إضافي يضاعف التعقيد الهندسي، ويقلل هامش الخطأ، ويرفع الكلفة إلى مستويات لا يمكن تبريرها دائمًا بعائد اقتصادي مباشر. لهذا السبب، ستظل معظم هذه المشاريع حبيسة الرسومات والنماذج الرقمية.
لكن الخطأ هو التقليل من شأنها. المشاريع التي لا تُبنى تترك أثرًا لا يقل أهمية عن تلك التي تُنفذ. هي تدفع البحث العلمي، وتختبر حدود المواد، وتوسّع خيال المهندسين والمخططين. كثير من التقنيات المستخدمة اليوم في أبراج متوسطة الارتفاع وُلدت في سياق مشاريع عملاقة لم ترَ النور.
في النهاية، قد لا نرى خلال حياتنا برجًا بارتفاع عشرة كيلومترات، ولا مصعدًا فضائيًا يعمل بكامل طاقته. لكن الاتجاه واضح. ناطحات السحاب لم تعد مجرد مبانٍ، بل أدوات تفكير في المستقبل. ومع كل مشروع جديد، سواء اكتمل أو تعثر، يُعاد طرح السؤال ذاته بصيغة مختلفة: إلى أي مدى يمكن للمدينة أن ترتفع دون أن تفقد معناها الإنساني؟
الإجابة لم تُكتب بعد، لكنها بالتأكيد لن تأتي من الأرض وحدها.
الأسئلة الشائعة
هل سباق بناء الأبراج الأعلى في العالم سباق هندسي فقط؟
لا. الهندسة شرط لازم وليست كافية. ما يحرك هذا السباق هو مزيج معقد من السياسة، والاقتصاد، والرمزية، والرغبة في تثبيت موقع جغرافي أو دولة داخل سردية عالمية عن القوة والتقدم. كثير من المشاريع فشلت لا بسبب عجز تقني، بل لأن البيئة السياسية أو الاقتصادية لم تعد قادرة على تحمّل مشروع طويل الأمد بهذا الحجم.
لماذا تتعثر مشاريع الأبراج العملاقة رغم توفر التمويل المبدئي؟
لأن هذه المشاريع لا تُدار بمنطق الميزانيات القصيرة أو العوائد السريعة. أي برج يتجاوز الكيلومتر يحتاج استقرارًا سياسيًا لسنوات طويلة، وسوقًا عقارية قادرة على استيعاب مساحات غير تقليدية، إضافة إلى قدرة على تحمّل تغيّر أسعار المواد والطاقة والتقلبات الجيوسياسية. اختلال عنصر واحد كفيل بتجميد المشروع بالكامل.
هل للأبراج فائقة الارتفاع قيمة وظيفية حقيقية أم أنها مجرد استعراض؟
كلما زاد الارتفاع، تراجعت الجدوى الوظيفية التقليدية، وارتفعت القيمة الرمزية. الطوابق العليا في هذه الأبراج ليست دائمًا الأكثر كفاءة من حيث الاستخدام، لكنها الأكثر تأثيرًا بصريًا وإعلاميًا. لهذا تتجه بعض المشاريع إلى نماذج هجينة، حيث يصبح البرج رمزًا حضريًا أكثر منه مساحة سكنية أو مكتبية صرفة.
لماذا تبدو اليابان مهووسة بمشاريع عمودية شبه خيالية؟
لأن القيود الجغرافية والديموغرافية تفرض نفسها بقسوة. اليابان لا تملك ترف التمدد الأفقي، ما يدفع مراكز البحث والتخطيط إلى التفكير في حلول جذرية، حتى لو بدت غير قابلة للتنفيذ حاليًا. هذه المشاريع ليست خطط بناء بقدر ما هي مختبرات فكرية لاختبار مستقبل المدينة.
هل يمكن تنفيذ مشاريع بارتفاع عدة كيلومترات في المستقبل القريب؟
من الناحية النظرية، نعم. من الناحية العملية، ليس قريبًا. العائق الأكبر ليس التصميم، بل المواد، وأنظمة النقل العمودي، والسلامة، وتكاليف التشغيل على المدى الطويل. أي قفزة حقيقية في هذا الاتجاه ستتطلب اختراقًا في علم المواد قبل أي شيء آخر.
ما الفرق بين ناطحات السحاب التقليدية ومفهوم ناطحة الفضاء؟
ناطحات السحاب تبقى مرتبطة بالأرض، مهما بلغ ارتفاعها، وتعتمد على توازنها مع الجاذبية والرياح. أما ناطحات الفضاء، مثل Space Elevator، فهي بنى تحتية عابرة للغلاف الجوي، تتعامل مع الأرض والفضاء كنظام واحد. هنا يتغير كل شيء: من المواد، إلى نماذج التمويل، إلى طبيعة الاستخدام نفسها.
هل المصعد الفضائي فكرة علمية جادة أم خيال علمي؟
هو فكرة علمية مدروسة منذ عقود، وليست وليدة الأدب أو السينما. الفيزياء التي يقوم عليها المفهوم معروفة، لكن المشكلة تكمن في غياب مادة قادرة على تحمّل الشد المطلوب بأمان وعلى نطاق صناعي. حتى الآن، الفكرة أقرب إلى هدف بحثي طويل الأمد منها إلى مشروع جاهز للتنفيذ.
من المستفيد فعليًا من هذه المشاريع العملاقة؟
المدن التي تنجح في تنفيذها تكسب موقعًا متقدمًا في الخريطة الذهنية العالمية، وتجذب استثمارات وسياحة واهتمامًا إعلاميًا. لكن المستفيد غير المباشر هو قطاع الهندسة نفسه، حيث تُطوَّر تقنيات ومواد تنتقل لاحقًا إلى مشاريع أصغر وأكثر انتشارًا.
هل يشكّل هذا التوجه خطرًا على الطابع الإنساني للمدن؟
الخطر موجود إذا تحوّل الارتفاع إلى هدف بحد ذاته. المدينة ليست مسابقة أرقام، بل بيئة معيشية. التحدي الحقيقي ليس الوصول إلى الأعلى، بل الحفاظ على جودة الحياة، والعدالة المكانية، وإمكانية الوصول، داخل مدن تفكر عموديًا دون أن تتحول إلى مساحات معزولة أو طبقية بشكل حاد.
هل سنشهد فعلًا تغير لقب “أطول برج في العالم” بشكل متكرر مستقبلًا؟
الأرجح نعم، ولكن ليس بالوتيرة التي تتخيلها الفيديوهات الترويجية. التغيير سيكون متقطعًا، مرتبطًا بمشاريع قليلة جدًا قادرة على الصمود حتى النهاية. ومع مرور الوقت، قد يفقد اللقب نفسه أهميته، لصالح أسئلة أكثر تعقيدًا تتعلق بوظيفة هذه الأبراج وتأثيرها الحقيقي على المدن والناس.

مرحبا بكم أصدقائي ومتتبعي مدونتنا نيو جديد شكرًا لكم على تواجدكم في مدونتي والإهتمام بمقالاتي المتواضعة نحن ممتنون لتفاعلكم وتعليقاتكم الرائعة التي تدفعنا للمزيد من الإبداع. وإن شاء الله سوف نتطلع إلى مشاركاتكم المستقبلية ونأمل أن تستمتعوا بمحتوانا القادم. شكرًا لكم على دعمكم المتواصل