أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

الفخ الأخير؟ حين يتحول الذهب من ملاذ آمن إلى وهم المستثمر الصغير

1100 طن في خزائن الشرق: هجرة جماعية من واشنطن إلى المعدن الأصفر
انهيار عصمة السندات الأمريكية.. والذهب يعتلي عرش احتياطيات العالم

في مشهد كان يُظن أنه مستحيل، انقلبت المعادلة العالمية للاحتياطيات الرسمية بهدوء لم تعرفه الأسواق المالية منذ ثلاثين عامًا. للمرة الأولى منذ انهيار نظام بريتون وودز، لم تعد سندات الخزانة الأمريكية الملاذ الأول الذي لا يُسأل، ولم يعد الدولار هو الضمانة الوحيدة التي تنحني لها البنوك المركزية في الشرق والغرب. التحول لم يأتِ عبر تصريحات براقة، ولا عبر مؤتمرات صحفية، بل ترسخ في دفاتر الميزانيات العمومية لأكبر المؤسسات السيادية في العالم، وبصمت مطبق، كمن يعيد ترتيب أوراقه قبل عاصفة لا مفر منها.

مع نهاية الربع الأول من 2026، باتت القيمة السوقية الإجمالية لاحتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية تقترب بسرعة من حاجز الأربعة تريليونات دولار، متجاوزة قيمة حيازات هذه البنوك نفسها من سندات الخزانة الأمريكية التي تهبط نحو 3.9 تريليون دولار. الرقم ليس مجرد مفاضلة إحصائية بين أصلين؛ إنه إعلان ناعم عن نهاية عصر. فالذهب لم يعد مجرد معدن نفيس يُقتنى للزينة أو للتحوط الهامشي، بل عاد ليتبوأ موقعًا كان محسومًا للدولار على مدى عقود: موقع معيار الثقة الوحيد الذي لا يخضع لمزاج سياسي، ولا لقرارات طباعة نقد بلا غطاء، ولا لتهديدات تجميد الأصول التي باتت تمارسها واشنطن وكأنها ورقة اعتيادية في اللعبة الدولية.

من يطعن الحليف في الظل؟ مصالح لا أوطان

طرح سؤال جوهري ظل معلقًا في الهواء طوال العام الماضي: لماذا تخلت دول أوروبية، هي أقرب حلفاء واشنطن، عن جزء كبير من سندات الخزانة في ذروة الأزمة؟ الجواب لا يكمن في خيانة مفاجئة، بل في قراءة باردة للمصالح. صناديق التقاعد الأوروبية ومؤسساتها المالية المركزية شاهدت بوضوح كيف تحولت السياسة المالية الأمريكية إلى أداة ضغط سياسي، تُجمّد بها أصول دول بكاملها، وتُستخدم فيها الديون كسلاح لا كضمان. هذه الملاحظة، الممزوجة بعجز فيدرالي يلامس 38 تريليون دولار وتقلبات غير مسبوقة في سقف الدين، جعلت السندات الأمريكية تبدو وكأنها لم تعد تحصينًا ضد المخاطر، بل هي نفسها صارت مصدر خطر.

هنا لم يكن الخيار صعبًا: إما ورقة تتحكم بها جهة سياسية واحدة، وإما معدن لا يُجمّد ولا يُصادرة ولا يُعلن إفلاسه. الدول التي اختارت الذهب لم تفعل ذلك بدافع عدائي، بل بدافع دفاعي صرف. عندما تتحول العملة إلى سلاح، يصبح الاحتماء بغيرها ضرورة وجود لا رفاهية استثمار.

الهجرة الصامتة: 1100 طن في عام

البيانات الرسمية الصادرة عن صناديق النقد والبنوك المركزية في آسيا وشرق أوروبا تكشف وتيرة غير مسبوقة: أكثر من 1100 طن من الذهب أضيفت إلى الاحتياطيات خلال 2025 وحده. الصين والهند وتركيا في المقدمة، لكن القائمة تطول وتتنوع. الوتيرة لم تكن جنونية بقدر ما كانت محسوبة وثابتة، وكأن هناك اتفاقًا ضمنيًا على أن الوقت قد حان لفك الارتباط التدريجي بمنظومة الدين الأمريكي.

حصّة الذهب من إجمالي الاحتياطيات العالمية قفزت إلى ما بين 25 و26%، وهي أعلى نسبة مسجلة على الإطلاق. في المقابل، لم تعد السندات الأمريكية تحظى بذلك الإقبال الأسطوري الذي كانت تتمتع به ما بعد الأزمة المالية العالمية. ما يجري ليس مجرد إعادة توازن للمحافظ، بل إعادة تعريف لمفهوم "الأصل الخالي من المخاطر" نفسه. عندما تصبح أكبر دولة مدينة في التاريخ هي نفسها مُصدر الضمانة، يصبح السؤال عن جدوى هذه الضمانة مشروعًا، خصوصًا عندما يكون حجم الدين قادرًا على خنق أي انتعاش حقيقي.

الجغرافيا السياسية تسعر الخوف

العامل الأكثر إلحاحًا في هذا السباق نحو الذهب ليس اقتصاديًا بحتًا، بل هو جيوسياسي بامتياز. الأسواق تتعلم ببطء أن "علاوة الخوف" – ذلك الثمن الإضافي الذي يدفعه المستثمر نظير الأمان – لم تعد مجرد نظرية أكاديمية. التوترات في الشرق الأوسط، واستمرار الحرب الأوكرانية، والتهديدات المتكررة لممرات الطاقة، والاضطرابات الدبلوماسية المفاجئة كتلك المتعلقة بفنزويلا، كلها عناصر تذكّر المؤسسات السيادية بأن العالم لم يعد آمنًا للعملات الورقية وحدها.

البنوك المركزية ليست كالمستثمرين الأفراد. لا يمكنها أن تسارع للبيع عند أول إشارة تراجع، لكنها تستطيع أن تنحي جانبًا وبهدوء الدولار لمصلحة الذهب في عمليات إعادة التموضع طويلة الأجل. وهي تفعل ذلك الآن ليس لأن الذهب يحقق عوائد مرتفعة – فهو لا يحقق أي عائد دوري – بل لأنه لا يحمل مخاطر الطرف المقابل. لا يوجد مصدر مركزي للذهب يمكنه تجميده أو فرض عقوبات عليه. في زمن العقوبات المالية الشاملة، صار هذا الامتياز وحده كافيًا لترجيح الكفة.

هل أطاح الذهب بالدولار؟ إعادة قراءة المشهد

من السذاجة بمكان القول إن الدولار انتهى. العملة الأمريكية لا تزال مهيمنة بنسبة تتراوح بين 45 و58% من الاحتياطات العالمية، وقدرتها على البقاء لا تستهان بها. لكن ما يحدث هو تحول هيكلي في الفلسفة وليس في الحصة فقط. لم تعد البنوك المركزية ترى الدولار كملاذ وحيد، ولا تنظر إلى السندات الأمريكية كمعيار وحيد للأمان. هي الآن تتنوع بوعي، وتفعل ذلك علنًا دون خجل.

التحول الأعمق يجري في تزايد استخدام العملات المحلية في التسويات عبر الحدود، خاصة بين دول الجنوب العالمي. هذه الدول لا تتخلى عن الدولار بقدر ما تخلق بدائل موازية. والذهب، في هذه المعادلة، لا يعمل فقط كملاذ احتياطي، بل كضامن صامت لهذه العملات المحلية. كلما ارتفعت احتياطيات الذهب، زادت مصداقية أي عملة وطنية، وقل الاعتماد على شبكة الدولار والديون الأمريكية.

ما بين 4500 و10000 دولار: هل نحن في فقاعة؟

الارتفاع من مستويات 2000 دولار للأوقية إلى 4500 دولار في نهاية 2025، ثم التماسك فوق هذه المستويات في 2026، يطرح إشارات متضاربة. هل ما زال الذهب رهانًا آمنًا أم تحول إلى فقاعة مضاربة؟ التحليلات التي تتحدث عن كسر حاجز العشرة آلاف دولار في المدى المتوسط ليست مستبعدة، شرط استمرار انهيار الثقة في النظام النقدي القائم. لكن هذا السيناريو، إن تحقق، لن يكون احتفالًا بقوة الذهب بقدر ما سيكون تشريحًا لانحسار الدور الأمريكي.

بالنسبة للمستثمر الفرد، هنا يكمن الفخ الدقيق. البنوك المركزية تشتري الذهب وتخزنه لعقود. هي لا تحتاج إلى سيولة فورية، ولا تضطر للبيع عند أول تصحيح. أما المستثمر الصغير الذي يشتري في قمة الهياج فقد يجد نفسه مضطرًا للبيع بخسارة إذا احتاج النقد السريع. الذهب لا يدر دخلاً، ورهان المضاربة عليه محفوف بمخاطر انعكاس الاتجاه بنفس سرعة تشكّله.

2026: عام الاختبار

كل العوامل التي أشعلت أسواق الذهب في 2025 لا تزال على الطاولة. التوترات لم تهدأ، والديون السيادية لم تنخفض، والتقلبات لم تستقر. هذا يعني أن الذهب لم ينتهِ صعوده بالضرورة، لكنه يعني أيضًا أن الأسواق دخلت مرحلة جديدة لا تُقرأ فيها تحركات الذهب كمؤشر على التضخم فقط، بل كمقياس لثقة النخب المالية بالاستقرار السياسي الغربي.

المعادلة التي حكمت العالم منذ التسعينات كانت تقوم على بديهية أن السندات الأمريكية هي صخرة الأمان. اليوم، هذه الصخرة تهتز، والذهب يتسلق العرش بهدوء. السؤال الذي لم يُجب عنه أحد بوضوح: إذا لم يعد الدين الأمريكي هو الضمانة، وإذا لم يعد الدولار هو الملاذ، فأي نظام نقدي سيحل مكان هذا الفراغ؟ الأرجح أنه لن يكون نظامًا واحدًا، بل تعددية نقدية يعود فيها الذهب ليكون القاسم المشترك الذي تُقاس به القوة الحقيقية للدول، لا قدرتها على طبع الأوراق.

تحليل المقال
..
متواجدون ...
👁️
مشاهدات ...
📝
كلمات 0
⏱️
قراءة 0 د
📅
نشر 12/02/2026
♻️
تحديث 12/02/2026
تعليقات