![]() |
| الدولار في أيامه الأخيرة |
تسعة تريليونات وستمئة مليار دولار. هذا حجم الديون الأمريكية التي تحتاج إعادة تمويل أو تسديد خلال اثني عشر شهرا فقط. الرقم لا يشمل العجز السنوي الجديد البالغ نحو تريليوني دولار. في أي سوق عادي، هذا يعني انهيارا وشيكا. لكن السوق الأمريكية ليست عادية، وحكامها ليسوا مستعدين لتركها لمصيرها الطبيعي. ما نشهده اليوم ليس مجرد حزمة قرارات اقتصادية، بل عملية إنقاذ مالي في غرفة عمليات مغلقة، أدواتها غير تقليدية وشركاؤها غير متوقعين.
إعادة هيكلة الطلب: من صندوق التقاعد إلى محفظة الكريبتو
الخطة التي تتبناها إدارة الخزانة الأمريكية الحالية تنطلق من فرضية بسيطة في ظاهرها، مركبة في تداعياتها: إذا لم يعد العالم مستعدا لشراء ديون أمريكا، فلنخلق نحن مشترين جدد من الداخل. حسابات ترامب للأطفال ليست مبادرة رعاية اجتماعية، بل آلية هندسة طلب. إيداع ألف دولار لكل مولود جديد، مع حافز ضريبي للعائلات التي تضخ خمسة آلاف دولار سنويا، لا يهدف إلى تكوين ثروة للأجيال القادمة بقدر ما يهدف إلى توجيه هذه السيولة الإجبارية إلى صناديق المؤشرات الأمريكية. الدولة لا تنتظر أن يأتي المستثمر؛ الدولة تصنعه.
لكن هذه الخطوة، رغم جرأتها، تبقى محدودة الأثر مقارنة بالمشروع الأكبر الذي يقوده وزير الخزانة. قانون العبقرية، بتسميته الاستفزازية، يحاول استيعاب درسا مهما: الكريبتو لم يعد هامشيا. سوق العملات المستقرة، التي يفوق حجم تداولاتها اليومية الآن شركة Visa، تمتلك سيولة كافية لتصبح مشتريا نظاميا للدين الأمريكي. الفكرة تبدو عقلانية على الورق: إلزام مصدري الـUSDT والـUSDC بتغطية عملاتهم بأذون خزانة قصيرة الأجل، فيتحقق ثلاثي أهداف مذهل: شرعية للكريبتو، استقرار للدولار الرقمي، ومشتري دائم للديون.
إلا أن هذه العقلانية تتصادم مع طبيعة اللاعبين أنفسهم.مفارقة تيثر: الذهب في سويسرا والسندات تحت الطلب
تيثر، أكبر مصدر للدولار الرقمي في العالم، تمتلك اليوم نحو 140 طنا من الذهب. هذا الرقم لا يضعها في مصاف صناديق التحوط الكبرى فحسب، بل يجعلها منافسا للبنوك المركزية في سباق التخزين. خلال 2025 وحدها، اشترت الشركة أكثر من سبعين طنا، متجاوزة مشتريات بنك الشعب الصيني المعلنة. السؤال الذي لم تطرحه واشنطن بعد: لماذا تحتفظ أكبر شركة مصدرة لعملة مستقرة مربوطة بالدولار بذهب بهذا الحجم؟
الجواب يكشف التناقض الجوهري في خطة الخزانة. تيثر لا تثق بالدولار الذي تصدره. تحوطها بالذهب دليل على أنها تتوقع يوما تتراجع فيه قيمة السندات الأمريكية، أو تحتاج فيه إلى سيولة لا يمكن توفيرها ببيع تلك السندات دون إحداث انهيار. الأكثر إزعاجا لواشنطن أن الذهب المخزن في سويسرا، بعيدا عن النظام المالي الأمريكي، يمثل خطة طوارئ جاهزة. عند أول موجة استرداد جماعي للعملات المستقرة، لن تبيع تيثر ذهبها، لأنه عملية لوجستية معقدة. ستبيع السندات الأمريكية، بضغطة زر، وتغرق السوق بعرض مفاجئ في أكثر اللحظات حساسية.
هذه هي الفجوة القاتلة في تفكير وزارة الخزانة: تفترض أن مصدري الكريبتو شركاء استراتيجيون في استقرار النظام، بينما هم في واقع الأمر تجار خطر يبيعون عند أول إشارة انسحاب.
الهيكل العظمي في خزانة أمريكا: كندا وتحرير اليوان
غير بعيد عن واشنطن، يتشكل خطر أكثر هدوءا وربما أكثر فتكا. كندا، الحليف الذي يفترض أنه الأكثر ولاء، أقامت خط تبادل عملات مباشر مع الصين. القرار لم يُعلن بصفته قطيعة، لكنه عمليا بطاقة خروج من أحادية الدولار. تورونتو لا تريد أن تستأذن واشنطن في كل مرة تحتاج فيها لشراء سلع صينية، ولا تريد أن تبقى رهينة لتقلبات رئيس أمريكي يهدد الجيران بالتعريفات الجمركية وكأنهم خصوم.
التحول الكندي ليس معزولا. هو جزء من موجة أوسع من التنويع النقدي، تختلف سرعتها من دولة لأخرى لكن اتجاهها واحد. البنوك المركزية حول العالم لم تعد تنظر إلى سندات الخزانة الأمريكية كملاذ بامتياز. الذهب عاد بقوة، والاحتياطيات باليوان تتوسع بهدوء. حتى حلفاء الأمس يبنون بدائل. ما كان قبل عشرين عاما مستحيلا سياسيا صار اليوم ممكنا عمليا: نظام متعدد العملات لم يعد مشروعا نظريا، بل واقعا يتشكل في غرف مقاصة بعيدة عن نيويورك.
معادلة بلا حل: بين خفض العجز وطباعة النقود
الطريق الوحيد لإنقاذ الدولار لا يمر عبر الكريبتو ولا عبر إجبار الأطفال على شراء الأسهم. الحل كلاسيكي بقدر ما هو مستحيل سياسيا: وقف الاستدانة، خفض العجز، كبح المطبعة. لكن أحدا في واشنطن لا يجرؤ على طرح هذا الخيار. لا جمهور ينتخب رئيسا يخبره أن عليه العيش بأقل مما اعتاد، ولا كونغرس يمرر موازنة تقشف بحجم تريليوني دولار سنويا.
النتيجة أن الإدارة الأمريكية عالقة في زاوية ضيقة جدا. إما أن تعلن إفلاسا ضمنيا عبر إعادة هيكلة ديون مؤلمة، أو تضحي بالقيمة الشرائية للدولار عبر التضخم المستدام. الخياران مؤلمان، لكن التردد بينهما أكثر إيلاما. كل شهر يمر دون قرار يزيد حجم الدين، ويعمق الاعتماد على مشترين غير موثوقين، ويمنح المنافسين مهلة إضافية لبناء أنظمة مالية موازية.
المشهد اليوم لم يعد مشهد أزمة عابرة. هو نهاية دورة ائتمانية طويلة بدأت في السبعينيات، عندما فكت أمريكا رابط الدولار بالذهب واستبدلت سلعة نقدية صلبة بدين ورقي لا يسدده إلا دين جديد. هذه الدورة كانت مستدامة طالما بقي العالم مؤمنا بقدرة أمريكا على السداد. هذا الإيمان اليوم يتآكل، ليس من جهة الأعداء وحدهم، بل من جهة الحلفاء ومن جهة شركات الكريبتو التي يفترض أنها خط الدفاع الأخير.
أمريكا تخوض الآن سباقا مع الوقت ومع سمعتها. تحاول خلق مشترين حيث لا مشترين، وتبتكر أدوات مالية لم يختبرها أحد، وتستدعي حلفاء غير مخلصين لإنقاذها. الأسواق تراقب. التاريخ يراقب. وما تبقى من ثقة بالدولار لن يحتمل كثيرا من الأخطاء.

أهلاً بك في مدونة NewJdid يسعدنا سماع رأيك أو استفسارك. تعليقك يثري المحتوى ويساعدنا على التطوير. شكراً لوجودك معنا.