![]() |
| Adobe وMicrosoft يسرقان جيبك بهدوء |
في السوق الرقمي اليوم، ثمة معادلة غريبة لا يجرؤ أحد على مساءلتها: برنامج تحرير صور يطلب 264 دولارًا سنويًا، وحزمة مكتبية تكلف 100 دولار، وبرنامج هندسة ثلاثية الأبعاد يتقاضى 1850 دولارًا للترخيص الواحد، ثم يأتي مستخدم عادي ليدفع كل هذا وكأنه ضريبة مفروضة على مهنته لا خيار له في دفعها.
هذه المعادلة لم تكن موجودة قبل عقدين. البرمجيات كانت تُشترى مرة واحدة وتُستخدم مدى الحياة. التحول إلى نموذج الاشتراك الشهري لم يحدث لأن تكاليف التطوير ارتفعت، بل لأن شركات البرمجيات اكتشفت أن استئجار البرنامج للمستخدم مدى الحياة أربح من بيعه له مرة واحدة. المستخدم لم يعد يملك الأدوات التي يعمل بها، بل يستأجرها بأضعاف ثمنها الأصلي كل عامين.
غير أن السؤال الأكثر إحراجًا للشركات الكبرى هو: لماذا لا يزال المستخدمون يدفعون، بينما توجد بدائل مجانية تقدم الوظائف نفسها منذ سنوات؟
البدائل موجودة وناضجة، فلماذا لا تعرفها؟
الافتراض السائد أن البرامج المجانية حتماً أسوأ من البرامج المدفوعة هو افتراض خاطئ، لكنه ليس وليد الصدفة. شركات مثل Adobe وAutodesk تنفق سنويًا ما يفوق ميزانيات دول بأكملها على التسويق ورعاية المؤثرين وبرامج الشهادات المعتمدة التي تجعل سير ذاتية كاملة تتوقف على إتقان منتجاتها.
النتيجة أن جيلاً كاملاً من المصممين والمهندسين خرّج من الجامعات وهو يعتقد أن Photoshop هو تحرير الصور، وأن 3Ds Max هو الهندسة ثلاثية الأبعاد، وأن Premiere Pro هو المونتاج. ليس لأن هذه البرامج كانت الخيار الأوحد، بل لأنها كانت الخيار الوحيد الذي عرضته عليهم المؤسسات التعليمية.
في الجهة المقابلة، تعمل مشاريع برمجية حرة مثل Blender وGIMP وInkscape وLibreOffice منذ عشرين سنة، تطور كودها يوميًا، وتطرح تحديثات شهرية، وتضم مجتمعات مستخدمين بالملايين. غير أنها لا تملك ميزانيات تسويق تقارب أرباح شركات البرمجيات الاحتكارية، ولذلك تبقى في الظل رغم أنها في كثير من المجالات تتفوق على نظيراتها المدفوعة.
Blender لم يعد بديلاً: أصبح المعيار
أكثر مثال صادم على فشل الخطاب التسويقي للبرمجيات الاحتكارية هو Blender. قبل خمسة عشر عامًا، كان يوصف بأنه "برنامج مجاني للمبتدئين" و"بديل ضعيف لـ 3Ds Max". اليوم، استوديوهات الرسوم المتحركة الكبرى حولت خطوط إنتاجها بالكامل إلى Blender، ليس توفيرًا في النفقات، بل لأنه يقدم سير عمل أسرع وأدوات أكثر مرونة وتطويرًا مفتوحًا لا ينتظر قرارات شركة أم.
المفارقة أن المستخدم العادي لا يزال يعتقد أن الاحترافية تحتاج إلى Maya أو 3Ds Max، بينما المحترفون الحقيقيون في الصناعة انتقلوا منذ سنوات. الفرق الوحيد هو أن شركة Autodesk تدفع للمدارس والمعاهد لتدريس منتجاتها، بينما Blender يعتمد على جودة كوده فقط.
GIMP ووهم الـ 5% المفقودة
الحجة الأكثر تداولاً ضد GIMP هي أنه "ينقصه ميزات Photoshop". الحقيقة أن GIMP ينقصه ميزات لا يستخدمها 95% من مستخدمي Photoshop أساسًا. المصمم العادي يحتاج إلى طبقات، وأقنعة، وفرش، وتعديل ألوان، ونصوص. هذه الميزات موجودة في GIMP بكفاءة. الميزات المفقودة هي أدوات متخصصة للغاية، بعضها أضافته Adobe لمجرد تبرير رفع السعر السنوي.
لكن المشكلة الحقيقية مع GIMP ليست في الإمكانيات، بل في الواجهة. هي مختلفة. والمستخدم العادي حين يواجه واجهة مختلفة يفترض أنها أسوأ، لا أنها مختلفة فقط. لو تعلم أي مستخدم على GIMP أولاً، ثم جرب Photoshop، لوجد واجهة Adobe هي الغريبة وغير المنطقية.
LibreOffice: حين يكون الاعتياد هو العائق الوحيد
منذ إصدار LibreOffice 5.0 عام 2015، اختفت تقريبًا مشاكل التوافق مع ملفات Microsoft Office. البرنامج اليوم يفتح ملفات .docx و.xlsx و.pptx ويحفظها بنفس الصيغ بدرجة تطابق تصل إلى 99% في الحالات العادية. ومع ذلك، يصر ملايين المستخدمين على دفع 100 دولار سنويًا مقابل Microsoft 365، ليس لأن Office أفضل، بل لأنهم اعتادوا مكان شريط الأدوات.
هذه ليست مشكلة تقنية، بل مشكلة نفسية. المستخدمون يدفعون ثمناً باهظاً مقابل تجنب أسبوع من التكيف.
DaVinci Resolve: عندما تكون النسخة المجانية أقوى من النسخة المدفوعة لمنافسيها
في مجال تحرير الفيديو، المشهد مختلف. DaVinci Resolve يقدم نسخة مجانية تمثل 90% من قدرات النسخة المدفوعة التي تكلف 300 دولار سنويًا. هذه النسخة المجانية تتفوق على Adobe Premiere Pro في مجال تصحيح الألوان بشكل مطلق، وتنافسه في بقية المجالات. الاستوديوهات المحترفة تستخدم DaVinci Resolve في أفلام سينمائية حاصلة على جوائز أوسكار.
ومع ذلك، لا يزال آلاف المستقلين يدفعون اشتراك Adobe الشهري، لأن Premiere Pro هو ما تعلموه في الجامعة.
اقتصاد الاحتكار: كيف تدفع ثمن العلامة التجارية لا ثمن الجودة
ما يحدث في سوق البرمجيات ليس فشلًا في آليات السوق، بل هو نجاح كامل لاقتصاد الاحتكار. الشركات الكبرى لا تبيع برامج، تبيع شعورًا بالأمان الوظيفي. المستخدم لا يدفع مقابل جودة البرنامج، بل يدفع مقابل ضمان أن ملفاته ستفتح لدى أي عميل، وأنه سيجد مئات الدروس لحل أي مشكلة، وأن اسم البرنامج في سيرته الذاتية سيكون مقبولاً لدى مسؤولي التوظيف.
هذا ليس مؤامرة، هذا سوق. لكن المستخدم النهائي هو من يدفع الثمن. والمفارقة أن هذه الشركات نفسها ترفع أسعارها سنويًا بينما لا تقدم ميزات ثورية، لأنها تعلم أن قاعدة مستخدميها أسيرة النظام البيئي الذي بنته.
الثلاث حالات الوحيدة التي تستحق فيها البرامج المدفوعة أموالك
الموضوعية تقتضي الاعتراف بأن البرامج مفتوحة المصدر ليست حلاً لجميع الحالات. هناك ثلاث فئات من المستخدمين لا تناسبهم هذه البدائل:
الأولى: الفرق الإنتاجية المتكاملة التي تعتمد على سير عمل محكم مبني حول برنامج احتكاري محدد. استوديو يضم ثلاثين مصممًا يتبادلون ملفات After Effects لا يمكنه التحول إلى Blender أو Natron بين ليلة وضحاها، ليس لأن البرنامج أسوأ، بل لأن تكلفة نقل الخبرة المتراكمة لأعلى من تكلفة الاشتراكات السنوية.الثانية: المؤسسات التي تحتاج إلى دعم فني فوري ومسؤولية قانونية واضحة. الشركات التي تنتج محتوى بعقود حكومية لا يمكنها المخاطرة ببرنامج دعمه الفني قائم على متطوعين في منتدى. ليس لأن المنتدى سيئ، بل لأن نموذج المسؤولية مختلف.
الثالثة: المستخدم الذي لا يملك الوقت أو الرغبة في تعلم أدوات جديدة. هذا المستخدم لا يستحق اللوم. وقت الإنسان يساوي مالاً، وأحياناً يكون دفع 200 دولار سنوياً أوفر من قضاء أسبوعين في تعلم واجهة مختلفة. المهم أن يكون القرار واعيًا، لا ناتجًا عن جهل بالبدائل.
التحول الذكي: لا تكن متطرفًا
الخطأ الأكبر الذي يقع فيه المتحمسون للبرمجيات الحرة هو دعوة المستخدمين إلى حذف برامجهم المدفوعة فورًا. هذا قرار عاطفي لا يصمد في بيئة العمل الحقيقية. التحول الذكي يبدأ بالتوازي: استخدام Photoshop وGIMP معًا، مقارنة النتائج، تقييم ما إذا كان الفرق يستحق 260 دولارًا سنويًا.
التحول الكامل ليس ضروريًا. كثير من المحترفين يستخدمون Premiere Pro للمشاريع الكبيرة وKdenlive للمقاطع السريعة. يستخدمون Office لملفات العملاء وLibreOffice لملفاتهم الشخصية. الهجين حل عملي أكثر من التطرف.
الخلاصة
سوق البرمجيات يشهد اليوم أكبر فجوة في تاريخه بين جودة البدائل المجانية ووعي المستخدمين بها. شركات الاحتكار تبني أسوارها من المال التسويقي وليس من الجودة التقنية. المستخدمون يدفعون آلاف الدولارات سنويًا ليس لأن البرامج المدفوعة أفضل، بل لأنهم لا يعرفون أن خيارًا آخر موجود أصلاً.
هذه الفجوة بدأت تتقلص. Blender الآن في واجهة استوديوهات هوليوود. DaVinci Resolve مثبت على أجهزة مونتاج محترفة. حتى شركات كبرى بدأت تدمج برامج مفتوحة المصدر في بنيتها التحتية.
السؤال لم يعد: هل البدائل المجانية جيدة بما يكفي؟
السؤال هو: متى ستكتشف هذا أنت، وكم من المال ستدفعه حتى ذلك الحين؟

أهلاً بك في مدونة NewJdid يسعدنا سماع رأيك أو استفسارك. تعليقك يثري المحتوى ويساعدنا على التطوير. شكراً لوجودك معنا.