أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

Bithumb توزع 44 مليار دولار بالخطأ: عندما يتحول البروتوكول إلى تهديد وجودي

44 مليار دولار في 35 دقيقة: كيف كاد خطأ برمجي يفلس Bithumb الكورية؟
Bithumb بين اختراق 2019 وخطأ 44 مليار

في واحدة من أغرب حوادث التداول الرقمي، حوّلت منصة Bithumb الكورية الجنوبية ما قيمته 44 مليار دولار من البيتكوين إلى حسابات مستخدميها. لم تكن العملية هجومًا إلكترونيًا، ولا ثغرة استغلها قراصنة، بل خطأ داخلي في نظام توزيع المكافآت الترويجية. حوالي 620 ألف بيتكوين غادرت خزائن المنصة دفعة واحدة، بمعدل 892 بيتكوين لكل حساب من الحسابات الـ 60.595 المتأثرة. استغرقت المنصة 35 دقيقة فقط لتجميد التداول واسترداد الأموال، لكن الضرر لم يكن ماليًا هذه المرة، بل كان ضررًا في المصداقية.

المشهد يحمل نكهة ساخرة: منصة تحتل المركز الثاني في كوريا الجنوبية، بحجم تداول يومي 412 مليون دولار، ونحو 2.5 مليون مستخدم نشط، تكتشف أن نظامها الآلي قادر على إفلاسها في دقائق. ليست المرة الأولى التي تواجه فيها Bithumb أزمات، فقد سبق أن اخترقت عام 2019 وخسرت ملايين الدولارات، وهي اليوم قيد التحقيق من هيئات الرقابة الكورية بتهم تضخيم السيولة. لكن هذه المرة، العدو لم يكن قرصانًا في غرفة مظلمة، بل سطر برمجي كتبه مهندسو المنصة نفسها.

هشاشة البروتوكول: عندما تكون الثغرة في المنطق لا في الجدار الناري

المدهش في حادثة Bithumb ليس ضخامة المبلغ، بل سهولة حدوث الخطأ. نظام التوزيع الآلي لم يخلط بين الأرقام فحسب، بل أرسل فعليًا احتياطي البيتكوين بالكامل تقريبًا إلى المستخدمين. هذا يعني أن المنصة تمتلك صلاحية تحويل رأسمالها بالكامل دفعة واحدة، دون طبقات تدقيق بشرية، دون سقف تحويل، دون تأخير زمني. البروتوكول كان مصرفيًا، والمصرفي لم يكن بشرًا.

البنوك التقليدية تخطئ أيضًا، لكن خطأها محكوم بزمن: معاملاتها تحتاج توقيعات، وتدقيقًا، وفترات تسوية. في منصات التداول الرقمي المركزية، الخطأ لحظي وشامل. الفرق بين "مكافأة 41 سنتًا" و"إهداء 63 مليون دولار" هو مجرد متغير خاطئ في دالة برمجية. هذه الهشاشة ليست عيبًا طارئًا، بل هي بنيوية، لأن هذه المنصات تُبنى كبرمجيات قبل أن تُدار كبنوك. المشكلة أن المستخدمين يتعاملون معها كبنوك، والمنظمون ينظرون إليها كبنوك، لكن كودها المصدري لا يعرف ذلك.

الاسترداد السريع للأموال خلال 35 دقيقة لم يكن ممكنًا لولا وجود نظام مركزي قادر على تجميد الحسابات وعكس العمليات. هذه الآلية نفسها تفضح التناقض الجوهري في نموذج العمل: Bithumb تروّج لنفسها كبوابة إلى عالم اللامركزية، لكنها تمتلك القدرة على سحب البيتكوين من محافظ المستخدمين متى شاءت. المستخدمون لا يمتلكون العملة فعلًا، بل يمتلكون أرقامًا في قاعدة بيانات، والمنصة تمتلك المفاتيح الحقيقية. الحادثة لم تخلق هذه الحقيقة، لكنها أبرزتها أمام جمهور عريض.

طبقات الانهيار: من الخطأ التقني إلى أزمة الثقة

ردود الأفعال على الحادثة كشفت عن شرخ معرفي داخل سوق الكريبتو نفسه. شريحة من المستخدمين رفضت تصديق وقوع الخطأ أساسًا، معتبرة الأرقام "مبالغًا فيها" أو "غير منطقية"، ما يعكس درجة من التطبيع مع فكرة أن المنصات الكبرى "لا يمكن أن تخطئ بهذا الشكل". شريحة أخرى استغلت الحادثة لتأكيد روايتها بأن العملات الرقمية "غرف مظلمة" لا يمكن الوثوق بها. بين هذين القطبين، تقف شريحة ثالثة لا تفهم آلية العمل لكنها مستعدة للمشاركة، أو على الأقل للمراقبة.

الاعتذار العلني من الرئيس التنفيذي وتحمل المسؤولية الكاملة لم يكن تقليدًا مصرفيًا، بل إجراء اضطرارياً. سوق الكريبتو سوق ذاكرة قصيرة، لكن خسارة المصداقية لا تعوض بسرعة استرداد الأموال. Bithumb استعادت البيتكوين، لكنها لم تستعد الصورة: منصة كبرى كادت تُفلس نفسها بنفسها، واكتشفت الخطأ بعد فوات الأوان، ثم عالجته بقدرتها التقنية لا بحكمتها المؤسسية.

التحقيقات التي تجريها الهيئات الرقابية الكورية منذ ما قبل الحادثة، والمتعلقة باتهامات تضخيم السيولة، وجدت في هذا الخطأ مادة داعمة. الإشكال ليس في وقوع خطأ تقني، بل في أنه وقع في منصة يشتبه مسبقًا بأنها لا تملك السيولة التي تعلنها. حين أرسلت Bithumb 620 ألف بيتكوين، هل أرسلت أموالًا تملكها بالفعل، أم أرقامًا مضخمة في جداول داخلية؟ الاسترداد السريع لا يجيب عن هذا السؤال، بل يزيده تعقيدًا.

Bithumb ليست حالة شاذة، بل مرآة

ما حدث في Bithumb ليس استثناءً، بل تكثيفًا لمسار طبيعي. منصات التداول الرقمية المركزية تعيش ازدواجية منهجية: تريد حرية البرمجيات حين يكون الابتكار، وتريد حماية البنوك حين تكون الأزمات. تريد اللامركزية في الخطاب التسويقي، والمركزية في صلاحية التحكم بالحسابات. تريد شفافية سلسلة الكتل، وغموض دفاترها الداخلية.

الحادثة تطرح سؤالًا جوهريًا لا علاقة له بتفاصيل الخطأ: هل هذه المنصات مؤهلة لإدارة أموال الجمهور؟ ليس بالسؤال الأخلاقي، بل بالمعايير التشغيلية. البنوك التقليدية تخضع لمعايير كفاية رأس المال، ونسب السيولة، واختبارات الإجهاد الدورية. منصات الكريبتو المركزية تخضع لثقافة الشركات الناشئة: أسرع، أرقام أكبر، تنظيم لاحق. Bithumb موجودة منذ 2014، وخاضت اختراقًا كبيرًا، وتخضع لتحقيقات، ورغم ذلك ظل نظام التوزيع لديها قادرًا على إرسال احتياطي البيتكوين كاملاً.

هذه ليست دعوة إلى التنظيم بمعناه العقابي، بل اعتراف بأن هذه المنصات لم تعد تجارب معملية. 2.5 مليون مستخدم نشط، وحجم تداول يومي يقارب نصف مليار دولار، و44 مليارًا كادت تتبخر في 35 دقيقة. الأرقام لم تعد تسمح بوصف الحادثة بأنها "خطأ بشري معتاد". ما حدث في Bithumb كان انهيارًا مصغرًا لنموذج العمل ذاته، وليس عطلًا في إحدى ترساته.

الاسترداد ليس نهاية القصة

نجحت Bithumb في استرداد البيتكوين، وأعلنت إجراءات عاجلة لتعزيز الأنظمة، وصرفت مكافآت تعويضية للمستخدمين المتأثرين. لكن هذا السيناريو ليس مضمونًا في المرة القادمة. ماذا لو استغل مستخدم واحد الفرصة وحوّل 63 مليون دولار إلى محفظة باردة قبل تفعيل التجميد؟ ماذا لو كان الخطأ أكبر، أو نظام الرصد أبطأ، أو المنصة أقل سيولة؟

الحادثة تذكرنا بأن الحديث عن "الثقة" في منصات الكريبتو هو حديث مضلل. الثقة مفهوم مصرفي، قائم على سمات متراكمة لعقود. منصات التداول الرقمي لا تبيع الثقة، بل تبيع السرعة والكفاءة والعائد. لكن حين يحدث خطأ بهذا الحجم، يكتشف المستخدمون أنهم كانوا يضعون أموالهم في برمجيات، لا في مؤسسات. البرمجيات يمكن إصلاحها، لكن البرمجيات يمكن أيضًا أن تنهار.

Bithumb تجاوزت المحنة هذه المرة. السؤال الذي ستواجهه في الأشهر القادمة ليس تقنيًا، بل وجوديًا: كيف تثبت لمستخدميها، وللهيئات الرقابية، وللسوق ككل، أنها ليست مجرد واجهة جميلة فوق قاعدة بيانات هشّة؟ الإجابة لن تأتي من تحسين الكود، بل من إعادة تعريف العلاقة بين المنصة والمستخدم. ففي اللحظة التي تستطيع فيها منصة أن ترسل 44 مليار دولار بالخطأ، فإن أي شيء آخر يصبح ممكنًا.

تحليل المقال
..
متواجدون ...
👁️
مشاهدات ...
📝
كلمات 0
⏱️
قراءة 0 د
📅
نشر 11/02/2026
♻️
تحديث 11/02/2026
تعليقات